المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصه من قصص العاشقين


dr.sensation
10-27-2007, 10:03 AM
هذه قصة من قصص الشعراء العرب الذين قضوا نحبهم عشقاً وما أغرب قصة صاحبنا هذه المرة وما أمتعها؟
فأما هو:فهو بشر الأسيدي من بنى عبد العزى..
شاعر إسلامي متوسط في طبقته وأحد المتخلفين إلى رسول الله

وأما هي: فهي هند، فتاة من قومه وإحدى فواضل نساء عصرها حسناً وجمالاً وأما حالتها الاجتماعية فمتزوجة من رجل يقال له سعد بن سعيد، وأما حالتها العاطفية فعاشقة حتى الثمالة لبشر.

نظرت إليه مرة يوم كان يجتاز بمنزلها قاصداً رسول الله، فلم تعد تملك إلاّ أن تنظر إليه دوماً، حتى أدمنت المكوث كل غداة على دربه تنتظر اجتيازه. فإذا ما مر أضطرب كل شيء فيها إلا النظرة الثابتة إلى وجهه إلى أن تطويها لمسافة بعيداً عنها، دون أن يكلف نفسه عناء رمي نظرة أو إلقاء تحية أو القيام بأي حركة تحسسها بشغل حيز في حياته..فتناجي نفسها وتقول:




أهواكَ يا بشرُ دون الناس كلهموغيركَ يهواني فيمنَعُـهُ صـدّي
تمرُّ ببابي لست تعرفُ ما الذيأكابدُ من شوقي إليكَ ومن بُعدي
فيا ليتني أرضٌ وأنـتَ أمامهـاتدوسُ بنعليك الكرامِ على خدّي
ويا ليتني نعلاً أقيكَ من الحَفَـاويا ليتني ثوباً أقيكَ من البَـرْدِ
تباتُ خليَّ البالِ من ألمِ الجَـوَىوقلبي كواهُ الحبُّ من شدّةِ الوجدِ
وإنك إن قصَّرت عني ولم تـزرفلابُدَّ بعدَ الصدِّ أدفن في لحـدي




ولما تجاوز الحب حدّه، دمّر حدوده وتحول إلى شعر يدوَّن ورسالة توجه إليه فكتبت ما يعتمر في داخلها، ثم أخذت الجارية الكتاب وسارت به إلى بشر ولما وصلت إليه سلمت عليه فرد عليها السلام وسألها عن حاجتها فقالت الجارية: "إني جارية السيدة هند وقد أرسلتني إليك بكتاب هذا هو فأخذه وقرأه وفهم معناه ثم التفت نحو الجارية وسألها: هل سيدتك عذراء أم ذات بعل؟؟

فقالت الجارية بل متزوجة وزوجها موجود في المدينة..فرد بشر القول بالقول وواجه حبّها بالواجب المفروض عليها تجاه زوجها ودعاها إلى الاعتصام بكلام الله وقال:




عليكِ بتقوى الله والصَّبر إنّـهنهى عن فجور بالنساءِ مُوَحّدُ
وصبراً لأمرِ الله لا تقربي الذينهَى الهُ عنه والنبـيّ محمـدُ
فلا تطمعي في أن أزوركِ طائعاًوأنت لغيري بالخنـاءِ معـوّدُ




وأخذت الجارية الكتاب وسلمته إلى سيدتها التي عزّت عليها نفسها كثيراً فبكت بكاء مراً وكتبت إليه تقول:




أما تخش يا بشر الإله فإنني لفيحسرةٍ مـن لوعتـي وتسهـدي
فإن زرتني يا بشر أحييتَ مهجتيوربي غفورٌ بالعطا باسـطُ اليـدِ




ومرة أخرى عادت إليه الجارية برقعة من سيدتها وصعب على بشر ما هي فيه فكتب لها هذه الأبيات:




أيـا هنـد هـذا لا يليـقُ بمسلـمٍومسلمةٌ في عصَمة الزوج فابعـدي
أمـا تعلمـي أن السَفـاح محـرّمٌفحولي عن الفحشاءِ والعيبِ وارتدي
بهـذا نهـى ديـن النبـيِّ محمـدٍفتوبي إلى مولاكِ يا هنـدُ ترشـدي




لكن الكلمات كلها لم تكن لتكفيها في وصف ما تكابده من حبه،وكل العادات والقوانين ما كانت لتثنيها.
ولكنه لم ييأس بل دأب على مراسلتها ليهديها فكتب:




إن الذي منع الزيـارة فاعلمـيخوف الفساد عليك أن لا تعتـدي
وأخافُ أن يهواكِ قلبي في الهوىفأكون قد خالفـتُ ديـنَ محمـدِ




فلما وصلها هذا الكتاب انكمدت نفسها ومرضت فكتبت إليه تقول:




أيا بشر ما أقسى فؤادَك في الهوىما هكذا الحبُ في مذهبِ الإسـلامِ
إني بُليت وقـد تجافانـي الصفـافارحم خضوعـي ثـم زد بسـلامِ
ضاقت قراطيسُ التراسـل بيننـاجـفّ المـدادُ وحفيـت الأقـلامُ




فلما وقف بشر على هذه الأبيات أجابها بقوله:

لا والذي رفعَ السماءَ بأمره=ودحى بساط الأرض باستحكامِ



وهو الذي بعثَ النبي محمـداًبشريعة الإيمـان والإسـلامِ
لم أعصِ ربي في هواك وإننيلمطهـر مـن سائـر الآثـامِ




وحلف أن لا يمر بباب هند ولا يقرأ لها كتاباً، فلما أمتنع كتبت له:




سألت ربي فقد أصبحتَ لي شجناًأن تُبتلى بهوى مـن لا يُباليكـا
حتى تذوقَ الذي ذقتُ من نَصَبٍوتطلب الوصل ممن لا يواتيكـا
وتشتكي محنة في الحب نازلـةوتطلب الماء ممن ليس يسقيـكَ
بلاك ربي بأمـراض مسلسلـةٍوبامتنـاع طبيـب لا يـداويـكَ
ولا سروراً ولا يوماً ترى فرحـاًوكل ضرٍ مـن الرحمـن يبليـكَ




فلما لج بشر وترك الممر ببابها أرسلت إليه بوصيفة لها فأنشدته هذه الأبيات فقال للوصيفة لأمر ما لا أمر فلما جاءت الوصيفة أخبرتها بقول بشر فكتبت وهي تقول:




كفّر يمينك أن الذنـبَ مغفـورُوأعلم بأنك أن كفّـرت مأجـورُ
لا تطردنّ رسولي وارثيـنّ لـهإن الرسولَ قليلُ الذنبِ مأمـورُ
واعلم بأني أبيتُ الليلَ ساهـرةًودمع عيني على خديَّ محـدورُ
أدعوه باسمِكَ في كربٍ وفي تعبٍوانت لاهٍ قريرُ العيـن مسـرورُ




وأما هندٌ فقد أصبحت بعدها موجة بشر بحرها وزهرة بشر عطرها، تقطف من محياه كلما مرّ بعضاً من الحياة فكيف تعيش إن حجب عنها؟؟

وأما بشر فقد خاف على نفسه من الفضيحة فارتحل إلى بطحاء تراب ليلاً.ووقفت جارية هند على أمره فأعلمت سيدتها، فاشتد عليها ذلك ومرضت مرضاً شديداً فبعث زوجها إلى الأطباء فقالت له: لا تبعث إليّ طبيباً فإني عرفت دائي، قهرني جني في مغتسلي فقال ليتحولي عن هذه الدار فليس لك في جوارنا خير فأجابها الزوج ما أهون هذا فقالت إني رأيت في منامي أن أسكن بطحاء تراب !
فقال زوجها: اسكني بنا حيث شئت
فاتخذت هناك داراً على طريق بشر وجعلت تمضي الأيام في النظر إليه كل غداة إذا غدا إلى رسول الله حتى برئت من مرضها وعادت إلى حسنها، فقال لها زوجها: إني لأرجو أن يكون لك عند الله خير لما رأيت في منامك أن أسكني بطحاء تراب فأكثري من الدعاء وكانت مع هند في الدار عجوز فأفشت إليها أمرها وشكت إليها ما ابتليت به وأخبرتها أنها خائفة أن يعلم بشر بمكانها فيترك الممر ويأخذ طريقاً آخر فقالت لها العجوز لا تخافي فإني أعلم لك أمر الفتى كله وإن شئت أقعدتك معه ولا يشعر بمكانك فقالت ليت ذاك قد كان ولما همّت العجوز بالانصراف قالت لها هند:




ساعديني واكشفي عني الكروبثم نوحي عند نوحي ياجنـوبْ
واندبي حظـي ونوحـي علنـاًإن حاليَ بَعْده شـيءٌ غريـبْ
ما رأت مثلي زليخـا يوسـفٍلا ولا يعقوب بالحزنِ العجيـبْ




فقعدت العجوز على باب الدار حتى أقبل بشر فسألته أن يكتب لها رسالة إلى إبنها في العراق فقعد وراحت تملي عليه وهند تسمع كلامهما فلما فرغ قالت العجوز لبشر يا فتى، إني أراك مسحوراً
فقال لها ما أعلمك بذلك؟
فأجابته ما قلت لك إلا وأنا متيقنة فانصرف عني اليوم حتى أنظر في أمرك ثم دخلت إلى هند وبشّرتها قائلة إني أراه فتى حدثاً ولا عهد له بالنساء ومتى ما أتى وزيّنتك وطيّبتك وأدخلتك عليه غلبت شهوته وهواه دينه وفي مرة كانت قد اتفقت فيها مع هند، دعته لتنظر له نجمه فأدخلته إليها وأغلقت الباب عليهما فلم يشعر إلاّ والباب
أقفل ووقفت أمامه حسناء كأنها البدر وقد إرتمت عليه وأخذته إليها وهي تقول:




يا بشر واصلني وكنْ بي لطيفـاًإنـي رأيتـك بالكمـالِ ظريفـا
وانظر إلى جسمي وما قد حلّ بيفتراه صار من الغـرام نحيفـا




فلما رأها راعه جمالها وعلم ببراعته أنها هند التي هجر مقره من أجلها فتباعد عنها متعطفاً وأنشد متلطفاً:




ليس المليحُ بكاملٍ في حسنهِحتى يكونُ عن الحرامِ عفيفَا
فإذا تجنب عن معاصي ربهفهنالك يدعى عاشقا وظريفا




فجاء زوج هند في غير عادته في كل يوم فوجد مع إمرأته رجلاً في البيت فطلقها ولبب الفتى أي طوقه وجره وذهب به إلى رسول الله فكبى بشر أمام الرسول وحلف بأنه ما كذبه منذ صدقه وما كفر بالله منذ آمن به وقص على النبي قصته فبعث النبي إلى العجوز وهند فأقرتا بين يديه فقال الحمد لله الذي جعل من أمتي نظير يوسف الصديق فأدب العجوز وأعاد هند إلى منزلها بعد هذه الحادثة هاج بشر بحب هند وأنتظر انتهاء عدتها ليخطبها، لكن هند رفضت أن تتزوجه بعد أن فضحها عند رسول الله، فجاءها رسول من أهله يعلمها بأنه طريح الفراش وقد يموت إن هي لم ترض به فقالت أماته الله فطالما أمرضني فكتب إليها يقول:




أرى القلب بعد الصبر أضحى مضيّعاوأبقيت مالي فـي هـواك مضيّعـا
فلا تبخلي يا هندُ بالوصل وارحمـيأسير هوى بالحـبِ صـارَ مَضْيّعَـا




فلما وصلتها الأبيات كتبت تحتها تقول:




أتطلب يا غـدَّار وصلـي بعدمـاأسأت ووصلي منك أضحى مضيّعَا
ولما رجوتُ الوصلَ منك قطعتـهوأسقيتني كأساً من الحزن مُتْرَعا
واخجلتني عنـد النبـي محمـدفكادت عيوني أن تسيل وتطلعـا




وزادت هذه الأبيات من لوعته وأضرمت نيران الحب في قلبه فكتب إليها:




سلام الله مـن بعـد البعـادعلى الشمس المنيرةِ في البلادِ
سـلام الله يـا هنـدُ عليـكورحمته إلـى يـومِ التنـادي
وحـقِّ الله لا ينسـاك قلبـيإلى يوم القيامةِ يـا مـرادي
فرقّي وارحمي مضنى كَئيبـاًفبشر صار ملقى في الوسـادِ
فداوي سقمه بالقـرب يومـاًفقلبي ذابَ مـن ألـم البعـادِ




لكن جرحها كان أكبر من أن تبلسمه الكلمات وفضيحتها كانت أوسع من أن تحصرها الزفرات فردت عليه تقول:




سلامُ الله من شمـسِ البـلادِعلى الصبَّ الموسد في المهادِ
فإن ترجُ الوصال وتشتهيـهفأنت من الوصالِ على بعـادِ
فلست بنائـلٍ منّـي وصـالاًولا يدنو بياضك من سـوادي
ولا تبلغ مرادك من وصالـيإلى يوم القيامـةِ والتنـادي




فلما وصل إليه الكتاب أمتنع عن الطعام والشراب حتى اشتدت علّته وكانت له أخت تواسيه فطلب منها أن تأتيه بهند ..فلما علمت هند بأنه على آخر رمق من الحياة سارت معها إليه فوجدته يقول:




إلهي إني قـد بُليـت مـن الهـوىوأصبحتُ ياذا العرش في أشغل الشغلِ
أكابد نفساً قـد تولّـى بهـا الهـوىوقد ملّ إخواني وقـد ملّنـي أهلـي
وقـد أيقنـتْ نفسـي بأنـي هالـكٌبهندٍ وأني قـد وهبـتُ لهـا قتلـي
وأنـي وإن كانـت إلـي مُسيـئـةيشقُّ علـيَّ أن تعـذّب مـن أجلـي




فبكت هند وبكى معها كل من كان حاضراً وأنشدت:




أيا بشر حالك قـد فنـى جسـديوألهب النار في جسمي وفي كبدي
وفاض دمعي على الخدين منسكبـاًوخانني الدهر فيكم وانقضى رشدي
ما كان قصدي بهذا الحال أنظركـملا والذي خلقَ الإنسانَ مـن كمـدِ




فما سمع كلامها أوما إليها وأنشد:




أيا هند إذا مرّت عليك جنازتـيفنوحي بحزنٍ ثم في النوح رنّمي
وقولي إذا مرّت عليك جنازتـيوشيري بعينيك علـيَّ وسلّمـي
وقولي رعاكَ اللهُ يا ميَّّتَ الهوىوأسكنكَ الفردوسَ إن كنتَ مسلم




ثم شهق شهقة وفارقت روحه الدنيا فلما رأته إرتمت عليه وأنشدت:




أيا عينُ نوحي على بشر بتغريرألا ترويه مـن دمعـي بتقديـرِ
يا عينُ أبكي من بعد الدموعِ دماًلأنه كان في الطاعات محبـورِ
لفقدِ بشرٍ بكيتُ اليومَ من كمـدٍلا خير في عيشةٍ تأتي بتكديـرِ
ألقاك ربك في الجناتِ في غُرَفٍتلقى النعيم بها بالخير موفـورِ





ثم ألقت بنفسها عليه وحركوها فإذا هي ميتة فغسلوهما ودفنوهما معاً.
__________________

Doctor
10-27-2007, 07:16 PM
قصة عجيبة جــــــــــــــدا ... في تتابع احداثها واختلاف وقائعها



شكرا لك صديق البروفيسور

dr.sensation
10-27-2007, 07:30 PM
دكتور ليس هنالك عجيب في عالم العشاق
اشكر مرورك الكريم
ودمت سالما

it’s me
10-28-2007, 02:32 AM
حزينة ومؤلمة كثيرا هذه القصة حبُ نادر نقرأه في قصص ايام زمان..

اشعار أبكتني حروفها واتعبتني معانيها فكيف بأصحابها..

ألف شكر لك على هذا المنقول الأكثر من رائع;)

Dr.MaFQooD
10-28-2007, 01:13 PM
شكرا جزيلا على الموضوع